بَيَانُ مَذهَبِ ابن حجر الهَيتَمِيِّ فِي تَكفِيرِ المُجَسِّمَةِ: تَحرِيرٌ وَتَفصِيلٌ


40 مشاهدة


⏱ 1 دقيقة قراءة

*بَيَانُ مَذهَبِ ابنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ فِي تَكفِيرِ المُجَسِّمَةِ: تَحرِيرٌ وَتَفصِيلٌ*

*مُقَدِّمَةٌ*

❖ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ، لَهُ الإنعامُ والإفضالُ، وَلَهُ الثَّناءُ الجَميلُ، وتَتَوالى صَلَواتُ اللهِ البَرِّ الرَّحيمِ، وصَلَواتُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبينَ، على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الأبرارِ الأطهارِ.

❖ أمّا بَعدُ؛ إِنَّ مِن أَدَقِّ مَبَاحِثِ العَقِيدَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَن صِفَاتِ الحُدُوثِ وَأَوصَافِ المُحدَثَاتِ، وَمِن أَخطَرِهَا مَبحَثُ «التَّجسِيمِ» وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنهُ مِن أَحكَامِ التَّكفِيرِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الخَلطَ بَينَ مَعَانِي الأَلفَاظِ، أَو عَدَمَ التَّفرِيقِ بَينَ الحُكمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، يُورِثُ اضطِرَابًا فِي الفَهمِ، وَيُفضِي إِلَى نِسبَةِ الأَئِمَّةِ إِلَى مَا لَا يَدِينُونَ بِهِ. وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَقصُودَ هَذِهِ المَقَالَةِ تَرتِيبُ المَسَائِلِ تَرتِيبًا مَنهَجِيًّا، وَإِظهَارُ مَوضِعِ اتِّفَاقِ الكَلَامِ وَاختِلَافِهِ فِي العِبَارَةِ، لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيخَ أَحمَدَ بنَ حَجَرٍ الهَيتَمِيَّ لَم يَترُك تَكفِيرَ المُجَسِّمِ عَلَى إِطلَاقٍ، بَل فَصَّلَ وَحَقَّقَ، وَوَضَعَ لِكُلِّ حَالٍ حُكمَهَا.

❖ وإِنَّ مَسأَلَةَ «التَّجسِيمِ» مِن أَدَقِّ مَسَائِلِ الِاعتِقَادِ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِتَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ التَّركِيبِ وَمَا يَلزَمُهُ مِنَ الِافتِقَارِ وَالحُدُوثِ. وَمِن مَوَاطِنِ الِالتِبَاسِ فِي هَذَا البَابِ: الخَلطُ بَينَ «حُكمِ البَاطِنِ» الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِمَا بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ، وَ«حُكمِ الظَّاهِرِ» الَّذِي تَجرِي بِهِ المُعَامَلَةُ بَينَ النَّاسِ. فَإِذَا لَم يُفَرَّق بَينَ هَذَينِ الجَانِبَينِ، وَقَعَ الِاضطِرَابُ فِي فَهمِ كَلَامِ العُلَمَاءِ، وَتَوَهَّمَ بَعضُ النَّاسِ أَنَّ الشَّيخَ أَحمَدَ بنَ حَجَرٍ الهَيتَمِيَّ يَترُكُ تَكفِيرَ المُجَسِّمِ عَلَى إِطلَاقٍ، وَالحَقُّ أَنَّ كَلَامَهُ مُفَصَّلٌ دَقِيقٌ، يَضَعُ كُلَّ حَالٍ فِي مَحَلِّهَا، وَيَجمَعُ بَينَ الأُصُولِ وَالتَّطبِيقَاتِ. وَسَيَأتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي ضَوءِ المُقَدِّمَاتِ، ثُمَّ فِي تَحرِيرِ حَقِيقَةِ حُكمِهِ فِي الفَصلِ الثَّانِي.

*أَوَّلًا: فِي المُقَدِّمَاتِ*

*المُقَدِّمَةُ الأُولَى: حَقِيقَةُ الجِسمِ فِي اللُّغَةِ وَأَصلُ مَعنَى الجِسمِيَّةِ*

❖ الجِسمُ فِي أَصلِ اللُّغَةِ يُطلَقُ عَلَى المُرَكَّبِ مِن جَوَاهِرَ، وَهَذَا المَعنَى هُوَ المِفتَاحُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيهِ جُملَةُ الأَحكَامِ فِي بَابِ التَّجسِيمِ ومَبنَى المَسأَلَةِ عَلَى تَحقِيقِ مَعنَى «الجِسمِ» فِي اللُّغَةِ؛ إِذ إِنَّ «الجِسمِيَّةَ» رُجُوعُهَا إِلَى «التَّركِيبِ» رُجُوعًا أَصلِيًّا لَا مَجَرَّدَ لَازِمٍ عَارِضٍ. وَمِمَّا يَشهَدُ لِإِطلَاقِ اللَّفظِ فِي اللُّغَةِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ﴾، فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُشِيرُ إِشَارَةً ظَاهِرَةً إِلَى التَّركِيبِ وَالمَادِّيَّةِ فِي المَخلُوقِ، فَيَصِحُّ أَن يُقَالَ: إِنَّ أَصلَ مَعنَى الجِسمِيَّةِ مُنصَبٌّ عَلَى التَّركِيبِ.

*المُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: استِحَالَةُ الجِسمِيَّةِ عَلَى اللهِ تَعَالَى نَقلًا وَعَقلًا*

❖ يَستَحِيلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَن يَكُونَ جِسمًا، وإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ حَقِيقَةَ الجِسمِ هِيَ التَّركِيبُ، عُلِمَ أَنَّ الجِسمِيَّةَ مُستَحِيلَةٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَقَدِ اجتَمَعَ عَلَى دَلَالَةِ هَذِهِ الاستِحَالَةِ النَّقلُ وَالعَقلُ جَمِيعًا؛ فَأَمَّا النَّقلُ فَفِيهِ مِنَ الآيَاتِ مَا يَقطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى كُلِّ مُتَوَهِّمٍ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، وَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) ﴾؛ فَهَذَا نَفيٌ صَرِيحٌ لِلمُمَاثَلَةِ وَالمُكَافَأَةِ، وَالجِسمُ لَا يَنفَكُّ عَن أَوصَافِ المُحدَثِ وَحُدُودِهِ، فَيَتَعَيَّنُ تَنزِيهُ البَارِي عَنهُ.

❖ وَأَمَّا العَقلُ فَإِنَّ مِن أَوضَحِ وُجُوهِ دَلَالَتِهِ أَنَّ حَقِيقَةَ الجِسمِ هِيَ التَّركِيبُ، وَالتَّركِيبُ يَقتَضِي الِافتِقَارَ إِلَى مُرَكِّبٍ، وَالِافتِقَارُ يُنَاقِضُ الأُلُوهِيَّةَ؛ لِأَنَّ الإِلَهَ الحَقَّ هُوَ الغَنِيُّ عَن كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَامتَنَعَ أَن يُوصَفَ اللهُ تَعَالَى بِالجِسمِيَّةِ أَصلًا.

*المُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ: أَثَرُ التَّجسِيمِ فِي حَقِيقَةِ العِبَادَةِ وَحُكمُ المُجَسِّمِ*

❖ إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّ المُجَسِّمَ يَتَصَوَّرُ مَعبُودَهُ جِسمًا، لَزِمَ مِن ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعبُدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَلَّى فَإِنَّمَا يَتَقَرَّبُ إِلَى ذَلِكَ الجِسمِ الَّذِي تَخَيَّلَهُ، وَإِذَا دَعَا وَسَأَلَ فَإِنَّمَا يَدعُو ذَلِكَ الجِسمَ الَّذِي تَوَهَّمَهُ، وَذَلِكَ المُتَخَيَّلُ الجِسمُ غَيرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَيَلزَمُ مِن ذٰلِكَ أَنَّ عِبَادَتَهُ وَاقِعَةٌ عَلَى غَيرِ اللهِ وأَنَّ المُجَسِّمَ لَا يَعبُدُ اللهَ.

*المُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ: المُجَسِّمُ مُجمَعٌ عَلَى كُفرِهِ*

❖ وَمِن هُنَا يَتَّضِحُ وَجهُ الإِجمَاعِ عَلَى كُفرِ المُجَسِّمِ الَّذِي يَدِينُ بِعِبَادَةِ الجِسمِ؛ فَعَابِدُ الجِسمِ لَا يَعبُدُ اللهَ، وَمَن عَبَدَ غَيرَ اللهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِالإِجمَاعِ، وَالجِسمُ غَيرُ اللهِ بِالإِجمَاعِ؛ فتَبَيَّنَ وَجهُ الحُكمِ وَحَصَلَتِ النَّتِيجَةُ، فَيَنتُجُ مِن مَجمُوعِ هَذِهِ المُقَدِّمَاتِ أَنَّ المُجَسِّمَ كَافِرٌ بِالإِجمَاعِ.

❖ وَقَد نَقَلَ هَذَا الإِجمَاعَ جَمعٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ مِن مَذَاهِبَ شَتَّى؛ كَالطَّحَاوِيِّ مِنَ الحَنَفِيَّةِ، وَالقَاضِي عَبدِ الوَهَّابِ مِنَ المَالِكِيَّةِ، وَابنِ الجَوزِيِّ مِنَ الحَنَابِلَةِ، وَتَقِيِّ الدِّينِ الحِصنِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.

*المُقَدِّمَةُ الخَامِسَةُ: التَّفرِيقُ بَينَ الحُكمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَأَثَرُهُ فِي التَّكفِيرِ*

❖ مِنَ القَوَاعِدِ المُهِمَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ لِلأَحكَامِ جَانِبَينِ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ فَأَمَّا البَاطِنُ فَهُوَ مَا يَكُونُ عَلَيهِ الأَمرُ بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ، وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَهُوَ مَا يُعَامَلُ بِهِ العَبدُ بَينَ النَّاسِ. وَمِنَ الأَحكَامِ مَا يَتَّحِدُ فِيهِ الحُكمَانِ، وَمِنهَا مَا يَختَلِفُ فِيهِ الحُكمُ ظَاهِرًا عَنهُ بَاطِنًا، وَهَذَا مِمَّا يَحتَاجُ إِلَيهِ فِي تَحرِيرِ مَسَائِلِ التَّكفِيرِ تَحرِيرًا دَقِيقًا.

❖ وَمِمَّا يُقَرِّبُ المَعنَى مِثَالُ الدَّعوَى فِي الأَموَالِ: فَقَد يَدَّعِي شَخصٌ عَلَى غَاصِبٍ أَنَّهُ غَصَبَ أَرضَهُ، وَيُقِيمُ بَيِّنَةً مَقبُولَةً شَرعًا، فَيَحكُمُ الحَاكِمُ لَهُ بِأَنَّ الأَرضَ لَهُ؛ فَإِن كَانَ صَادِقًا كَانَت لَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَإِن كَانَ كَاذِبًا فَلَا تَكُونُ لَهُ بَاطِنًا وَإِن ثَبَتَت لَهُ ظَاهِرًا بِحُكمِ الحَاكِمِ.

❖ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ حَدِيثُ الشَّيخَينِ، وَاللَّفظُ لِمُسلِمٍ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّمَا يَأتِينِي الخَصمُ، فَلَعَلَّ بَعضَكُم أَن يَكُونَ أَبلَغَ مِن بَعضٍ، فَأَحسَبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقضِيَ لَهُ، فَمَن قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ مُسلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطعَةٌ مِن نَارٍ، فَليَحمِلهَا أَو يَذَرهَا».

❖ وَعَلَى هَذَا التَّفصِيلِ تُنَزَّلُ أَحكَامُ التَّكفِيرِ وَعَدَمِهِ؛ فَالمُنَافِقُ مَحكُومٌ بِإِسلَامِهِ فِي الظَّاهِرِ وَإِن كَانَ فِي البَاطِنِ كَافِرًا، وَمَن كَانَ عَلَى الكُفرِ ثُمَّ دَخَلَ فِي الإِسلَامِ ثُمَّ مَاتَ قَبلَ أَن يَعلَمَ أَحَدٌ بِإِسلَامِهِ فَهُوَ مَحكُومٌ بِكُفرِهِ فِي الظَّاهِرِ وَإِن كَانَ فِي البَاطِنِ مُسلِمًا. وَمَن لَم يُمَيِّز بَينَ هَذَينِ المَعنَيَينِ، وَخَلَطَ بَينَ الحُكمَينِ، وَزَعَمَ أَنَّ الظَّاهِرَ وَالبَاطِنَ لَا يَنفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ، وَقَعَ فِي التَّخلِيطِ وَالخَبطِ وَالِاضطِرَابِ.

*المُقَدِّمَةُ السَّادِسَة: تَقرِيرُ ابنِ حَجَرٍ لِهَذَا الأَصلِ وَتَطبِيقُهُ فِي مَسَائِلِ التَّكفِيرِ*

❖ ومِن أَبيَنِ مَا يُظهِرُ مَنهَجَ الشَّيخِ أَحمَدَ بنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَينَ مَا يَكُونُ فِي البَاطِنِ وَمَا يُحكَمُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ عِندَ الِاحتِمَالِ وَعَدَمِ تَبَيُّنِ الحَالِ؛ فَقَد ذَكَرَ فِي شَرحِهِ عَلَى «المِنهَاجِ» تَفصِيلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ الوَاحِدَةَ قَد تُحمَلُ بَاطِنًا عَلَى الكُفرِ إِذَا صَدَرَت مِن صَاحٍ مُكَلَّفٍ، وَقَد يُمتَنَعُ الحُكمُ عَلَى قَائِلِهَا ظَاهِرًا بِالكُفرِ لِاحتِمَالِ عُذرٍ؛ كَغَيبَةِ العَقلِ.

❖ وَنَصُّ ابنِ حَجَرٍ فِي شَرحِهِ عَلَى «المِنهَاجِ»: «وَقَولُ ابنِ عَبدِ السَّلَامِ: يُعَزَّرُ وَلِيٌّ قَالَ: أَنَا اللهُ، وَلَا يُنَافِي ذٰلِكَ وِلَايَتَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيرُ مَعصُومٍ، فِيهِ نَظَرٌ؛ إِذ إِن كَانَ غَائِبًا فَهُوَ غَيرُ مُكَلَّفٍ، فَلَا يُعَزَّرُ، وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ. وَيُمكِنُ حَملُهُ عَلَى مَا إِذَا شَكَكنَا فِي حَالِهِ، فَيُعَزَّرُ زَجرًا لَهُ، وَلَا يُحكَمُ عَلَيهِ بِالكُفرِ؛ لِاحتِمَالِ قِيَامِ عُذرِهِ».

❖ وَيَكشِفُ هٰذَا النَّقلُ عَن وَجهِ الفَرقِ بَينَ البَاطِنِ وَالظَّاهِرِ؛ فَتَأَمَّل كَيفَ فَصَلَ بَينَ الحُكمِ فِي البَاطِنِ وَالحُكمِ فِي الظَّاهِرِ، فَبَيَّنَ أَنَّ مَن نَطَقَ بِهٰذِهِ الكَلِمَةِ، إِن صَدَرَت مِن صَاحٍ مُكَلَّفٍ، حُمِلَت فِي البَاطِنِ عَلَى الكُفرِ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللهِ، وَإِن صَدَرَت مِن غَائِبِ العَقلِ، فَهُوَ غَيرُ مُكَلَّفٍ، فَلَا يُحكَمُ بِخُرُوجِهِ عَنِ الإِسلَامِ لِقِيَامِ عُذرِهِ. فَالحُكمُ عَلَيهِ فِي البَاطِنِ لَا يَخرُجُ عَن هٰذَينِ الوَجهَينِ.

❖ وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ؛ فَلَمَّا كَانَ يَجُوزُ عِندَنَا أَن يَكُونَ قَد تَكَلَّمَ بِذٰلِكَ وَهُوَ غَائِبُ العَقلِ، وَلَم تَتَبَيَّن لَنَا حَقِيقَةُ حَالِهِ، حَكَمنَا لَهُ بِالإِسلَامِ ظَاهِرًا، وَلَم نُوقِع عَلَيهِ حُكمَ الكُفرِ إِلَّا إِذَا ظَهَرَ لَنَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَاحِيًا حِينَ نَطَقَ بِذٰلِكَ. وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ: أَنَّ مَا بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ دَائِرٌ بَينَ وَجهَينِ، أَمَّا فِي المُعَامَلَةِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّهَا تَدُورُ مَعَ مَا تَبَيَّنَ لَنَا، وَقَامَت عَلَيهِ القَرَائِنُ وَالأَدِلَّةُ.

❖ وَمِن أَبيَنِ تَطبِيقَاتِهِ الَّتِي تُجَلِّي هٰذَا المَعنَى وَتُزِيلُ عَنهُ الإِشكَالَ: مَا ذَكَرَهُ ابنُ حَجَرٍ فِي «الزَّوَاجِرِ» مِنَ التَّفرِيقِ الدَّقِيقِ بَينَ الأَلفَاظِ الَّتِي تَحتَمِلُ التَّأوِيلَ، وَتِلكَ الَّتِي تَكُونُ نَصًّا لَا تَحتَمِلُهُ؛ فَفَرَّقَ بَينَ قَولِ القَائِلِ: «اللهُ فِي السَّمَاءِ»، وَقَولِهِ: «اللهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ». فَحَكَمَ بِكُفرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي إِثبَاتِ الجِهَةِ وَالِاستِقرَارِ وَالظَّرفِيَّةِ، وَهِيَ مَعَانٍ مُستَحِيلَةٌ فِي حَقِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَم يَحكُم بِكُفرِ الأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيسَ نَصًّا فِي ذٰلِكَ، بَل يَحتَمِلُ أَن يُحمَلَ عَلَى أَمرِهِ وَسُلطَانِهِ، وَهُوَ تَأوِيلٌ مَعرُوفٌ مُوَافِقٌ لِلَّفظِ القُرآنِيِّ عِندَ الخَلَفِ وَالسَّلَفِ.

❖ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هٰذَا الأَصلِ أَنَّهُ لَو ثَبَتَ أَنَّ قَائِلَ: «فِي السَّمَاءِ» أَرَادَ حَقِيقَةَ الجِهَةِ، لَحُكِمَ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي المَعنَى كَقَائِلِ: «سَاكِنُ السَّمَاءِ»، الَّذِي لَا يَحتَمِلُ لَفظُهُ تَأوِيلًا.

❖ وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ كَلَامَ العُلَمَاءِ يَنتَظِمُ فِي قَاعِدَةٍ جَلِيَّةٍ مُحكَمَةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ أَقوَالَهُم قَد تَكُونُ مُنصَرِفَةً إِلَى «حُكمِ البَاطِنِ»، وَهٰذَا هُوَ الغَالِبُ عَلَى صَنِيعِ عُلَمَاءِ الكَلَامِ، وَقَد تَكُونُ مُنصَرِفَةً إِلَى «حُكمِ الظَّاهِرِ»، وَهٰذَا هُوَ الغَالِبُ عَلَى صَنِيعِ الفُقَهَاءِ. فَمَن لَم يُحسِنِ التَّفرِيقَ بَينَ هٰذَينِ الجَانِبَينِ، وَلَم يُحَرِّر مَحَلَّ كُلِّ قَولٍ مِنهُمَا، بَل خَلَطَ بَينَهُمَا، وَتَعَامَلَ مَعَ المَقُولَاتِ عَلَى غَيرِ بَصِيرَةٍ، وَظَنَّ أَنَّ حُكمَ البَاطِنِ وَالظَّاهِرِ لَا يَنفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ، وَقَعَ فِي الِاضطِرَابِ وَالتَّخلِيطِ، وَسَاءَ فَهمُهُ، وَاضطَرَبَت نِسبَتُهُ لِلأَئِمَّةِ، وَضَلَّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ.

*ثَانِيًا: فِي حَقِيقَةِ حُكمِ ابنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ عَلَى المُجَسِّمِ*

*النَّتِيجَةُ الأُولَى: تَفصِيلُ حُكمِ المُجَسِّمِ وَضَابِطُ التَّكفِيرِ بِحَسَبِ الفَهمِ وَالإِظهَارِ*

❖ بَعدَ تَقرِيرِ هٰذِهِ الأُصُولِ، يَتَبَيَّنُ مَحَلُّ التَّفصِيلِ فِي حُكمِ المُجَسِّمِ بَيَانًا شَافِيًا؛ فَالمُجَسِّمُ الَّذِي يَدِينُ بِعِبَادَةِ الجِسمِ – أَي: يَعتَقِدُ مَعبُودَهُ جِسمًا وَيَتَقَرَّبُ إِلَيهِ عَلَى ذٰلِكَ – كَافِرٌ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، فَإِن أَعلَنَ مَا يَنطَوِي عَلَيهِ ضَمِيرُهُ، وَصَرَّحَ بِمَا يَدِينُ بِهِ، حُكِمَ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا أَيضًا؛ لِإِظهَارِهِ مَا يُنَاقِضُ الإِسلَامَ، وَأَمَّا إِذَا لَم يُعلِن ذٰلِكَ، جَرَت عَلَيهِ أَحكَامُ الإِسلَامِ فِي الظَّاهِرِ، وَكَانَ شَأنُهُ فِي الحَقِيقَةِ شَأنَ المُنَافِقِ.

❖ ثُمَّ إِنَّ البَابَ يَتَّسِعُ فِي مَن أَطلَقَ لَفظَ «الجِسمِ» عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَلَا يَكفِي مُجَرَّدُ اللَّفظِ لِحُكمٍ وَاحِدٍ، بَل يُنظَرُ إِلَى فَهمِ القَائِلِ لِمَعنَاهُ وَمَا يَلتَزِمُهُ مِن مُقتَضَاهُ؛ فَإِن كَانَ يَعرِفُ حَقِيقَتَهُ – وَهِيَ التَّركِيبُ – فَقَد نَقَّصَ اللهَ تَعَالَى تَنقِيصًا صَرِيحًا، وَكَانَ بِذٰلِكَ شَاتِمًا لِجَلَالِهِ سُبحَانَهُ، خَارِجًا مِنَ الإِسلَامِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُعتَقِدًا لِمُقتَضَى لَفظِهِ أَم لَم يَكُن؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ إِطلَاقِ مَا يَتَضَمَّنُ المُستَحِيلَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مَعَ العِلمِ بِدَلَالَتِهِ إِقدَامٌ عَلَى الكُفرِ.

❖ وَإِن كَانَ لَا يَعرِفُ حَقِيقَةَ مَعنَى «الجِسمِ»، بَل يَظُنُّ أَنَّهُ بِمَعنَى «المَوجُودِ» أَو «القَائِمِ بِنَفسِهِ»، فَهُنَا وَقَعَ الِاختِلَافُ؛ فَذَهَبَ المُتَوَلِّي الشَّافِعِيُّ فِي «الغُنيَةِ» وَغَيرُهُ إِلَى تَكفِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَطلَقَ عَلَى اللهِ مَا يُنبِئُ بِالمُستَحِيلِ دُونَ إِذنٍ شَرعِيٍّ، فَلَا يُعذَرُ فِي الإِطلَاقِ، وَذَهَبَ جُمهُورُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى تَفسِيقِهِ دُونَ تَكفِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَم يَفهَم دَلَالَةَ الأَلفَاظِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا، وَهُنَا يُقَالُ: لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ؛ لأَنَّهُ لَا يَلتَزِمُ مَعنَاهَا الحَقِيقِيَّ.

❖ وَبِنَاءً عَلَى هٰذَا الأَصلِ، يُتَصَوَّرُ مِثَالُ العَامِّيِّ الَّذِي يَتَلَفَّظُ بِالجِسمِيَّةِ فِي حَقِّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَالحُكمُ فِيهِ يَدُورُ مَعَ مَا يَتَرَجَّحُ مِن فَهمِهِ وَإِدرَاكِهِ، وَمَا يَتَبَيَّنُ لَنَا مِن حَالِهِ. فَإِنِ احتَمَلَ عِندَنَا أَنَّهُ لَا يَعرِفُ حَقِيقَةَ مَعنَى مَا نَطَقَ بِهِ، فَإِن سِرنَا عَلَى قَولِ المُتَوَلِّي حَكَمنَا بِكُفرِهِ ظَاهِرًا؛ لِمُجَرَّدِ إِطلَاقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى المُستَحِيلِ، وَإِن سِرنَا عَلَى قَولِ جُمهُورِ الشَّافِعِيَّةِ لَم نَحكُم عَلَيهِ بِالكُفرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَنَا أَنَّهُ يَفهَمُ مَعنَى مَا قَالَ، أَو يَلتَزِمُ مَدلُولَهُ؛ لِأَنَّ الحُكمَ فِي الظَّاهِرِ مَبنِيٌّ عَلَى مَا يَظهَرُ مِن فَهمِهِ وَإِدرَاكِهِ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ اللَّفظِ المُحتَمِلِ.

*النَّتِيجَةُ الثَّانِيَةُ: تَفصِيلُ ابنِ حَجَرٍ فِي مَرَاتِبِ التَّجسِيمِ وَضَابِطُ التَّكفِيرِ فِيهَا وَتَحرِيرُ مَعنَى «اللَّوَازِمِ»*

❖ لَم يَترُكِ الشَّيخُ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ هٰذَا البَابَ مُجمَلًا، بَل بَسَطَهُ بِتَفصِيلٍ دَقِيقٍ فِي كِتَابِهِ «الإِعلَامِ بِقَوَاطِعِ الإِسلَامِ»، رَافِعًا مَا يُتَوَهَّمُ مِن تَعَارُضٍ فِي النُّقُولِ، وَجَامِعًا أَطرَافَ المَسأَلَةِ فِي قَاعِدَةٍ مُحكَمَةٍ؛ فَذَكَرَ أَنَّ كَلَامَ المُجَسِّمَةِ لَيسَ عَلَى مَرتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، بَل يَنقَسِمُ إِلَى مَرَاتِبَ: فَمِنهُم مَن يَقُولُ: «جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ»، وَمِنهُم مَن يَقُولُ: «جِسمٌ كَالأَجسَامِ»؛ فَحَمَلَ عَدَمَ التَّكفِيرِ عَلَى الأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَا يَلزَمُ قَولَهُ مِنَ النَّقصِ قَد لَا يَلتَزِمُونَهُ وَلَا يُدرِكُونَهُ، وَحَمَلَ التَّكفِيرَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي إِثبَاتِ الحُدُوثِ وَالتَّركِيبِ وَالأَلوَانِ وَالِاتِّصَالِ، وَفِي إِثبَاتِ مَا أَجمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى نَفيِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَمِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ انتِفَاؤُهُ عَنهُ، فَلَا مَحَلَّ لِلتَّوَقُّفِ فِي كُفرِهِ.

❖ وَقَد أَشَارَ الشَّيخُ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ إِلَى هٰذَا التَّفصِيلِ كُلِّهِ فِي كِتَابِهِ «الإِعلَامِ بِقَوَاطِعِ الإِسلَامِ»، حَيثُ قَالَ: «وَالمَشهُورُ مِنَ المَذهَبِ كَمَا قَالَهُ جَمعٌ مُتَأَخِّرُونَ أَنَّ المُجَسِّمَةَ لَا يُكَفَّرُونَ، لَكِن أَطلَقَ فِي المَجمُوعِ تَكفِيرَهُم، وَيَنبَغِي حَملُ الأَوَّلِ عَلَى مَا إِذَا قَالُوا: جِسمٌ لَا كَالأَجسَامِ. وَالثَّانِي عَلَى مَا إِذَا قَالُوا: جِسمٌ كَالأَجسَامِ؛ لِأَنَّ النَّقصَ اللَّازِمَ عَلَى الأَوَّلِ قَد لَا يَلتَزِمُونَهُ، وَمَرَّ أَنَّ لَازِمَ المَذهَبِ غَيرُ مَذهَبٍ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الحُدُوثِ وَالتَّركِيبِ وَالأَلوَانِ وَالِاتِّصَالِ، فَيَكُونُ كُفرًا؛ لِأَنَّهُ أَثبَتَ لِلقَدِيمِ مَا هُوَ مَنفِيٌّ عَنهُ بِالإِجمَاعِ، وَمَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ انتِفَاؤُهُ عَنهُ، وَلَا يَنبَغِي التَّوَقُّفُ فِي ذٰلِكَ».

❖ وَإِذَا رُدَّ هٰذَا التَّفصِيلُ إِلَى أَصلِ المَعنَى، تَبَيَّنَ أَنَّ «التَّركِيبَ» لَيسَ مُجَرَّدَ لَازِمٍ عَارِضٍ، بَل هُوَ حَقِيقَةُ مَعنَى الجِسمِ نَفسِهِ، وَأَنَّ «الحُدُوثَ» مِن أَظهَرِ لَوَازِمِهِ وَأَبيَنِهَا؛ فَمَن أَطلَقَ الجِسمِيَّةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَلتَزِمُ التَّركِيبَ، فَإِنَّمَا ذٰلِكَ لِعَدَمِ فَهمِهِ لِحَقِيقَةِ اللَّفظِ وَلَا إِدرَاكِهِ لِمَعنَاهُ. وَمِن هٰذَا يُفهَمُ أَنَّ مَا يُسَمِّيهِ ابنُ حَجَرٍ «لَوَازِمَ» إِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ كَاشِفَةٌ عَن اعتِقَادِ التَّركِيبِ، كَإِثبَاتِ اللَّونِ، وَالِاتِّصَالِ، وَالِانفِصَالِ، وَالِاحتِيَاجِ، وَنَحوِ ذٰلِكَ.

❖ وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ يَجرِي تَفصِيلُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الحُكمِ الظَّاهِرِ؛ فَإِذَا لَم تُعلَم حَقِيقَةُ حَالِ القَائِلِ – أَهُوَ مُلتَزِمٌ بِالتَّركِيبِ أَم جَاهِلٌ بِمَعنَى اللَّفظِ – فَإِنَّ جُمهُورَهُم عَلَى عَدَمِ تَكفِيرِهِ ظَاهِرًا، وَتُوكَلُ سَرِيرَتُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِن ظَهَرَ مِنهُ التَّصرِيحُ بِالتَّركِيبِ أَو بِشَيءٍ مِن لَوَازِمِهِ الظَّاهِرَةِ – كَاللَّونِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانفِصَالِ – حِينَئِذٍ يُحكَمُ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ أَظهَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى مُعتَقَدِهِ.

❖ وَبِهٰذَا عَينِهِ صَرَّحَ ابنُ حَجَرٍ فِي «الإِعلَامِ»، حَيثُ قَرَّرَ أَنَّ الأَصَحَّ عَدَمُ تَكفِيرِ الجِهَوِيَّةِ وَالمُجَسِّمَةِ، إِلَّا إِذَا صَرَّحُوا بِلَوَازِمِ قَولِهِم فِي الحُدُوثِ، أَو بِمَا هُوَ نَصٌّ فِيهِ؛ كَالتَّركِيبِ، وَاللَّونِ، وَالِاحتِيَاجِ. حَيثُ قَالَ: «الأَصَحُّ أَنَّا لَا نُكَفِّرُ الجِهَوِيَّةَ وَلَا المُجَسِّمَةَ، إِلَّا إِن صَرَّحُوا بِاعتِقَادِهِم لِلَوَازِمِ قَولِهِم فِي الحُدُوثِ أَو مَا هُوَ نَصٌّ فِيهِ [أَي فِي الحُدُوثِ] كَاللَّونِ وَالتَّركِيبِ وَالِاحتِيَاجِ».

❖ وَخُلَاصَةُ ذٰلِكَ وَشَرحُهُ: أَنَّ المَسأَلَةَ تَدُورُ بَينَ اللَّفظِ وَمَعنَاهُ؛ فَلَيسَ كُلُّ مَن نَطَقَ بِلَفظِ الجِسمِيَّةِ يَلزَمُهُ حُكمٌ وَاحِدٌ، بَلِ العِبرَةُ بِمَا يَفهَمُهُ وَيَلتَزِمُهُ مِن مَعنَى؛ فَإِن كَانَ قَولُهُ مُشتَمِلًا عَلَى مَعنًى صَرِيحٍ فِي التَّركِيبِ وَمَا يَستَلزِمُهُ مِنَ الحُدُوثِ، كَانَ كُفرًا لَا شُبهَةَ فِيهِ، وَإِلَّا فَالحُكمُ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ حَالِهِ، وَإِظهَارِ مَا فِي ضَمِيرِهِ، وَبِهٰذَا يَزُولُ الِاضطِرَابُ، وَيَنتَظِمُ كَلَامُ العُلَمَاءِ فِي سِلكٍ وَاحِدٍ مُتَّسِقٍ.

*النَّتِيجَةُ الثَّالِثَةُ: نُصُوصُ ابنُ حَجَرٍ الصَّرِيحَةُ فِي تَكفِيرِ مَن اعتَقَدَ التَّركِيبَ وَالتَّنبِيهُ عَلَى مَزَالِقِ المُتَفَيهِقِينَ*

❖ يَتَبَيَّنُ بِالجَمعِ بَينَ هٰذِهِ النُّصُوصِ وَتَحرِيرِ مَقَاصِدِهَا أَنَّ الشَّيخَ ابنَ حَجَرٍ الهَيتَمِيَّ قَد قَرَّرَ قَاعِدَةً مُحكَمَةً فِي هٰذَا البَابِ، وَهِيَ أَنَّ التَّركِيبَ هُوَ حَقِيقَةُ مَعنَى الجِسمِ، وَلَيسَ مُجَرَّدَ لَازِمٍ عَارِضٍ، وَأَنَّ الحُدُوثَ لَازِمُهُ البَيِّنُ الَّذِي لَا يَنفَكُّ عَنهُ؛ فَمَن وَصَفَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّركِيبِ، فَقَد نَاقَضَ القِدَمَ وَالغِنَى، وَأَثبَتَ مَا هُوَ مُنتَفٍ عَنهُ بِالإِجمَاعِ، وَلِذٰلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ ابنُ حَجَرٍ فِي الحُكمِ بِكُفرِهِ؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ البَيِّنَ – فِي مِثلِ هٰذَا المَقَامِ – مَذهَبٌ، فَلَو زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّهُ يُثبِتُ التَّركِيبَ وَلَا يَلتَزِمُ الحُدُوثَ، لَم يَنفَعهُ ذٰلِكَ؛ لِأَنَّ الحُدُوثَ مُلَازِمٌ لَهُ لُزُومًا ظَاهِرًا.

❖ وَعَلَى ضَوءِ هٰذَا الأَصلِ، يَتَّضِحُ أَنَّ التَّفصِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابنُ حَجَرٍ فِي عَدَمِ التَّكفِيرِ إِنَّمَا هُوَ فِي مَن لَم يُعلَم مِنهُ اعتِقَادُ التَّركِيبِ، أَو كَانَ جَاهِلًا بِحَقِيقَةِ مَا يَنطِقُ بِهِ؛ أَمَّا مَن تَبَيَّنَ مِنهُ ذٰلِكَ، فَلَا خِلَافَ فِي تَكفِيرِهِ عِندَهُ، وَقَد صَرَّحَ بِذٰلِكَ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كُتُبِهِ، نَقلًا وَتَقرِيرًا.

❖ فَنَقَلَ ابنُ حَجَرٍ عَن سَحنُونٍ تَكفِيرَ مَن أَثبَتَ الحُلُولَ وَالِاستِقرَارَ وَالظَّرفِيَّةَ أَوِ التَّحَيُّزَ؛ وَمِن ذٰلِكَ حِكَايَتُهُ هٰذَا التَّفصِيلَ بِأَسرِهِ مُطَوَّلًا مَبسُوطًا فِي كِتَابِ «الفَتَاوَى الحَدِيثِيَّةِ» عَن سَحنُونٍ المَالِكِيِّ، مَعَ قَولِهِ: «فَقَائِلُ هٰذِهِ المَقَالَةِ الَّتِي هِيَ القَولُ بِالجِهَةِ فَوقَ، إِن كَانَ يَعتَقِدُ الحُلُولَ وَالِاستِقرَارَ وَالظَّرفِيَّةَ أَوِ التَّحَيُّزَ، فَهُوَ كَافِرٌ، يُسلَكُ بِهِ مَسلَكَ المُرتَدِّينَ، إِن كَانَ مُظهِرًا لِذٰلِكَ».

❖ وَحَكَى ابنُ حَجَرٍ عَن القَرَافِيِّ تَكفِيرَ المُجَسِّمَةِ وَالجِهَوِيَّةِ عَنِ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ فِي «شَرحِ المُقَدِّمَةِ الحَضرَمِيَّةِ» حيث نَقلَ عن القَرَافِيِّ تَكفِيرَ المُجَسِّمِ وَالجِهَوِيِّ عَنِ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ، مَعَ قَولِهِ: إِنَّهُم حَقِيقُونَ بِذٰلِكَ.

❖ وَقَضَى ابنُ حَجَرٍ فِي «الزَّوَاجِرِ» بِكُفرِ مَن تَلَفَّظَ بِمَا لَا يَحتَمِلُ إِلَّا المَعنَى المُستَحِيلَ؛ نَحوَ قَولِهِ: «سَاكِنُ السَّمَاءِ»، فَأَوضَحَ بُطلَانَ إِيمَانِ مَن قَالَ: «لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ»، وَهُوَ حُكمٌ بِالكُفرِ، وَقَد سَبَقَ تَقرِيرُهُ.

❖ وَقَد بَسَطَ البَيَانَ فِي بَعضِ المَوَاضِعِ، فَأَصدَرَ حُكمَهُ عَلَى مَن نُسِبَ إِلَيهِ اعتِقَادُ التَّركِيبِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنهُ، بِأَنَّهُ وَاقِعٌ فِي «الكُفرِ البَرَاحِ الصَّرِيحِ»؛ إِذ يَقُولُ الشَّيخُ ابنُ حَجَرٍ فِي «الفَتَاوَى الحَدِيثِيَّةِ»، عِندَ سَردِهِ لِجُملَةٍ مِن ضَلَالَاتِ أَحمَدَ بنِ تَيمِيَّةَ وَأَقوَالِهِ الفَاسِدَةِ: «وَأَنَّ رَبَّنَا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا مَحَلُّ الحَوَادِثِ، تَعَالَى اللَّهُ عَن ذٰلِكَ وَتَقَدَّسَ، وَأَنَّهُ مُرَكَّبٌ تَفتَقِرُ ذَاتُهُ افتِقَارَ الكُلِّ لِلجُزءِ، تَعَالَى اللَّهُ عَن ذٰلِكَ وَتَقَدَّسَ، وَأَنَّ القُرآنَ مُحدَثٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَن ذٰلِكَ، وَأَنَّ العَالَمَ قَدِيمٌ بِالنَّوعِ، وَلَم يَزَل مَعَ اللَّهِ مَخلُوقٌ دَائِمًا، فَجَعَلَهُ مُوجِبًا بِالذَّاتِ لَا فَاعِلًا بِالِاختِيَارِ، تَعَالَى اللَّهُ عَن ذٰلِكَ، وَقَولُهُ بِالجِسمِيَّةِ وَالجِهَةِ وَالِانتِقَالِ، وَأَنَّهُ بِقَدرِ العَرشِ لَا أَصغَرُ وَلَا أَكبَرُ، تَعَالَى اللَّهُ عَن هٰذَا الِافتِرَاءِ الشَّنِيعِ القَبِيحِ، وَالكُفرِ البَرَاحِ الصَّرِيحِ»، فَتَأَمَّل، رَحِمَكَ اللَّهُ، كَيفَ أَنَّ الشَّيخَ ابنَ حَجَرٍ لَم يَتَرَدَّد فِي الحُكمِ بِتَكفِيرِ ابنِ تَيمِيَّةَ، لَمَّا انكَشَفَ لَهُ اعتِقَادُهُ بِحَقِيقَةِ التَّركِيبِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.

❖ وَيَتَأَكَّدُ هٰذَا المَعنَى بِبَيَانِ مَقصُودِهِ مِن «اللَّوَازِمِ» الَّتِي يَدُورُ عَلَيهَا الحُكمُ؛ فَلَيسَت أَيَّ لَوَازِمَ مُتَوَهَّمَةٍ، بَل هِيَ اللَّوَازِمُ الدَّالَّةُ دَلَالَةً بَيِّنَةً عَلَى اعتِقَادِ التَّركِيبِ؛ كَإِثبَاتِ اللَّونِ، وَالِاتِّصَالِ، وَالِانفِصَالِ، وَالِاحتِيَاجِ، وَنَحوِهَا؛ فَمَن صَرَّحَ بِهٰذِهِ اللَّوَازِمِ، فَقَد أَظهَرَ اعتِقَادَ التَّركِيبِ، فَيُحكَمُ بِكُفرِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَا يَنفَعُهُ أَن يَدَّعِي عَدَمَ التِزَامِ الحُدُوثِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ بَيِّنٌ لَهُ.

❖ وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، تَأتِي تَحذِيرَاتُهُ الشَّدِيدَةُ مِنَ التَّفَيهُقِ وَالتَّصَدُّرِ بِغَيرِ تَأَهُّلٍ، وَخَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفَهمِ عِبَارَاتِ الأَئِمَّةِ؛ إِذ كَثِيرًا مَا يَقَعُ الِاضطِرَابُ وَسُوءُ النِّسبَةِ بِسَبَبِ أَخذِ العِلمِ مِنَ السُّطُورِ دُونَ التَّلَقِّي عَنِ الصُّدُورِ، وَعَدَمِ رَدِّ المُجمَلِ إِلَى المُفَصَّلِ، وَإِهمَالِ مَوَاضِعِ التَّقيِيدِ وَالتَّفصِيلِ؛ وَمِن هُنَا قَالَ فِي «الفَتَاوَى الحَدِيثِيَّةِ»: «كُلُّ مَن أَخَذَ العِلمَ عَنِ السُّطُورِ كَانَ ضَالًّا مُضِلًّا».

❖ وَخُلَاصَةُ هٰذَا البَابِ وَشَرحُهُ: أَنَّ كَلَامَ ابنِ حَجَرٍ مُنتَظِمٌ غَايَةَ الِانتِظَامِ، لَا تَنَاقُضَ فِيهِ وَلَا اضطِرَابَ؛ فَالتَّكفِيرُ عِندَهُ دَائِرٌ مَعَ ثُبُوتِ اعتِقَادِ التَّركِيبِ أَو التَّصرِيحِ بِلَوَازِمِهِ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِن عَدَمِ التَّكفِيرِ، فَمَحمُولٌ عَلَى مَن لَم يَتَبَيَّن حَالُهُ أَو كَانَ جَاهِلًا بِمَعنَى مَا يَنطِقُ بِهِ؛ وَبِهٰذَا يَزُولُ مَوهُومُ التَّعَارُضِ، وَيَستَقِيمُ فَهمُ كَلَامِهِ عَلَى وَجهِهِ الصَّحِيحِ.

*النَّتِيجَةُ الرَّابِعَةُ: دَفعُ الفِريَةِ وَتَحقِيقُ مَحَلِّ الخِلَافِ فِي العِبَارَةِ*

❖ وَبَعدَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأصِيلِ وَالتَّفصِيلِ، إِذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ الشَّيخِ ابنِ حَجَرٍ مَا يُوهِمُ فِي ظَاهِرِهِ عَدَمَ تَكفِيرِ المُجَسِّمِ، فَلَيسَ ذٰلِكَ عَلَى إِطلَاقِهِ، بَلِ الوَاجِبُ حَملُهُ عَلَى التَّفصِيلِ الَّذِي أَصَّلَهُ وَقَرَّرَهُ فِي سَائِرِ كَلَامِهِ؛ فَهُوَ إِنَّمَا لَا يُكَفِّرُ مَن أَطلَقَ اللَّفظَ دُونَ فَهمٍ لِمَعنَاهُ، وَلَا التِزَامٍ لِمُقتَضَاهُ، أَمَّا مَن اعتَقَدَ حَقِيقَةَ التَّركِيبِ، أَو صَرَّحَ بِلَوَازِمِهِ الدَّالَّةِ عَلَيهِ – كَاللَّونِ، وَالِاتِّصَالِ، وَالِانفِصَالِ، وَالِاحتِيَاجِ – فَإِنَّهُ يَحكُمُ بِكُفرِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي ذٰلِكَ؛ لِأَنَّ هٰذِهِ اللَّوَازِمَ كَاشِفَةٌ عَن اعتِقَادِ التَّركِيبِ، وَالتَّركِيبُ مُنَاقِضٌ لِمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ القِدَمِ وَالغِنَى. وَأَمَّا مَوضِعُ الخِلَافِ، فَإِنَّمَا هُوَ فِي الحُكمِ الظَّاهِرِ عَلَى مَن لَم يَتَبَيَّن حَالُهُ، لَا فِي بَاطِنِ الحُكمِ الَّذِي يَقتَضِيهِ المَعنَى.

❖ وَبِهٰذَا التَّحقِيقِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا نُسِبَ إِلَى الشَّيخِ أَحمَدَ بنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ مِن تَركِ تَكفِيرِ المُجَسِّمِ عَلَى الإِطلَاقِ نِسبَةٌ غَيرُ دَقِيقَةٍ، بَل مَذهَبُهُ مُقَيَّدٌ بِالحَالِ وَالقَرِينَةِ؛ فَمَن ثَبَتَ مِنهُ اعتِقَادُ التَّركِيبِ، أَو أَظهَرَ لَوَازِمَهُ البَيِّنَةَ، فَحُكمُهُ الكُفرُ صَرِيحًا، وَلَا مَجَالَ فِيهِ لِلتَّوَقُّفِ، وَأَمَّا مَن لَم يُعلَم مِنهُ ذٰلِكَ، أَو كَانَ يَتَلَفَّظُ دُونَ فَهمٍ لِدَلَالَةِ مَا يَقُولُ، فَهُنَا تَجرِي أَحكَامُ الفُقَهَاءِ فِي الظَّاهِرِ، مَعَ تَفوِيضِ سَرِيرَتِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.

❖ فكَلَامُ الشَّيخِ ابنُ حَجَرٍ لَيسَ مُتَنَاقِضًا، بَل هُوَ مُنَظَّمٌ عَلَى قَاعِدَةٍ دَقِيقَةٍ، تَفصِلُ بَينَ مَرَاتِبِ الأَقوَالِ وَالفَهم وَالعِلمِ؛ فَمَحَلُّ التَّكفِيرِ عِندَهُ هُوَ ثُبُوتُ المَعنَى المُستَحِيلِ – وَهُوَ التَّركِيبُ – وَمَا يَدُلُّ عَلَيهِ، لَا مُجَرَّدُ اللَّفظِ المُحتَمِلِ، وَبِهٰذَا يَسلَمُ حُسنُ الظَّنِّ بِهِ، وَتَنتَظِمُ نُقُولُهُ بَعضُهَا مَعَ بَعضٍ، وَيَندَفِعُ وَهمُ التَّعَارُضِ عَن كَلَامِهِ.

*خَاتِمَةٌ*

❖ وَفِي ضَوءِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأصِيلِ وَالتَّفصِيلِ، يَصِحُّ أَن يُقَالَ: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخِلَافِ المَنقُولِ بَينَ المُحَقِّقِينَ فِي هٰذَا البَابِ لَيسَ خِلَافًا فِي أَصلِ الحُكمِ، بَل هُوَ خِلَافٌ فِي العِبَارَةِ وَطَرِيقَةِ التَّعلِيمِ؛ أَيُجعَلُ الأَصلُ تَكفِيرَ المُجَسِّمِ، ثُمَّ يُستَثنَى مَن لَا يَفهَمُ المَعنَى وَلَا يَلتَزِمُ مُقتَضَاهُ، أَم يُقَالُ: لَا يُكَفَّرُونَ عَلَى الإِطلَاقِ، ثُمَّ يُستَثنَى مَن صَرَّحَ بِالتَّركِيبِ وَلَوَازِمِهِ؟ وَالحَقُّ أَنَّ الأَوَّلَ أَصرَحُ وَأَدفَعُ لِلإِيهَامِ، لِأَنَّ نِسبَةَ الجِسمِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِن صَرِيحِ الكُفرِ فِي نَفسِهَا، ثُمَّ يَأتِي بَعدَ ذٰلِكَ النَّظَرُ فِي أَحوَالِ القَائِلِينَ، وَمَا يَعرِضُ لَهُم مِنَ الجَهلِ أَوِ الِاحتِمَالِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مِن أَحكَامِ الظَّاهِرِ.

❖ وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ يَنتَظِمُ مَنهَجُ ابنِ حَجَرٍ الهَيتَمِيِّ فِي بَابِ التَّجسِيمِ انتِظَامًا مُحكَمًا؛ فَقَد بَنَاهُ عَلَى أُصُولٍ رَاسِخَةٍ: أَوَّلُهَا تَحقِيقُ مَعنَى الجِسمِ وَأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى التَّركِيبِ، وَثَانِيهَا تَقرِيرُ استِحَالَةِ ذٰلِكَ فِي حَقِّ اللهِ عَقلًا وَنَقلًا، وَثَالِثُهَا أَنَّ مَن عَبَدَ جِسمًا فَلَيسَ عَابِدًا لِلَّهِ فَيَلزَمُ كُفرُهُ، وَرَابِعُهَا التَّفرِيقُ بَينَ الحُكمِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا عِندَ الِاحتِمَالِ. وَمِن ثَمَّ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا يُنقَلُ عَنهُ مِمَّا يُوهِمُ تَركَ التَّكفِيرِ لَا يُفهَمُ إِلَّا عَلَى هٰذَا التَّفصِيلِ؛ فَهُوَ يُكَفِّرُ مَن ثَبَتَ مِنهُ اعتِقَادُ التَّركِيبِ أَو صَرَّحَ بِلَوَازِمِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي ذٰلِكَ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ النِّزَاعِ فِي مَن أَطلَقَ اللَّفظَ وَهُوَ جَاهِلٌ بِمَعنَاهُ، وَفِي كَيفِيَّةِ تَنزِيلِ الحُكمِ الظَّاهِرِ عَلَيهِ.

❖ وَبِهٰذَا عَينِهِ يَتَّضِحُ أَنَّ مَا حَكَاهُ بَعضُ المُتَأَخِّرِينَ – كَالشَّيخِ عَبدِ اللهِ الهَرَرِيِّ رحمه الله – فِي تَفصِيلِ تَكفِيرِ المُجَسِّمِ، هُوَ فِي الحَقِيقَةِ مُوَافِقٌ لِمَنهَجِ ابنِ حَجَرٍ، لَا مُخَالِفٌ لَهُ؛ وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ مِنَ الخِلَافِ بَينَهُمَا هُوَ فِي صِيَاغَةِ العِبَارَةِ وَطَرِيقَةِ العَرضِ، عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ مَن جَعَلَ الأَصلَ التَّكفِيرَ ثُمَّ استَثنَى مَن لَا يَفهَمُ المَعنَى أَو لَا يَلتَزِمُهُ، أَبلَغُ فِي مَقَامِ التَّعلِيمِ، وَأَدفَعُ لِلَّبسِ؛ لِأَنَّهَا تُقَرِّرُ الأَصلَ أَوَّلًا، ثُمَّ تُبَيِّنُ مَوَاضِعَ الِاستِثنَاءِ عَلَى وَجهِهَا الصَّحِيحِ.

❖ فالنِّزَاعُ لَيسَ فِي أَنَّ التَّجسِيمَ مُنَافٍ لِلتَّنزِيهِ – فَهٰذَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ – وَلَا فِي أَنَّ اعتِقَادَ التَّركِيبِ كُفرٌ صَرِيحٌ، بَل فِي تَحقِيقِ مَحَلِّ الإِنزَالِ عَلَى الأَشخَاصِ، وَفِي طَرِيقَةِ بَيَانِ ذٰلِكَ لِلطُّلَّابِ؛ فَمَن لَم يُحسِن فَهمَ هٰذَا الفَرقِ، تَوَهَّمَ التَّعَارُضَ، وَنَسَبَ إِلَى الأَئِمَّةِ مَا هُم بُرَآءُ مِنهُ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.

وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ

✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ

📚✨ فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلْسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَدْ لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَتْ بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنْهَجٍ مُحْكَمٍ، يَهْدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشْرِ العِلْمِ النَّافِعِ. 🖋️📖

🔗✨ نَرْجُو مِنْكُمُ الآَنَ الِانْضِمَامَ إِلَى قَنَاتِنَا الرَّسْمِيَّةِ عَبْرَ هٰذَا الرَّابِطِ:

👇

https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a

Share this page to Telegram

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة