إخوة يوسف – المقال [7]
# الدليل أن المخاطَب بقول يعقوب: {لولا أن تفندون} هم أبناؤه
– الحمدلله وصلى الله على رسول الله. وبعد فقد قدَّمنا في مقال سابق كيف أنكر البعض أقوالَ المفسرين في أن إخوة يوسف سفَّهوا أباهم النبي يعقوب؛ ونقلنا من [البحر المحيط] ما يردُّ مزاعمهم ويثبت ورود الخبر في كتب التفسير كما في [البحر] وفي كثير غيره كما سيظهر؛ ولكن توهم البعض أن المخاطَبين بذلك هم أولادُ أولادِه لا أولاده؛ بل وذهب البعض بجهله إلى اعتبار ذلك مما اتفق عليه المفسرون وكذبوا بذلك.
فأبو حيان صاحب [البحر المحيط] من مشاهير علماء اللغة والنحو والتفسير والحديث والقراءات والأدب في زمانه يقول في بيان أن المخاطبين بكلام يعقوب هم أبناؤه من صلبه ما يلي: “والمخاطب بقوله: {تفندون} الظاهر من تناسق الضمائر أنه عائد على من كان بقي عنده من أولاده غير الذين راحوا يمتارون إذ كان أولاده جماعة، وقيل: المخاطب ولد ولده ومن كان بحضرته من قرابته” انتهى.
فانظر كيف يُقوِّي أن المخاطَب أبناء يعقوب لا أبناء أبنائه؛ وكيف استدل على ذلك بظاهر تناسق الضمائر وهذا مدلول لغوي يعرفه أهل اللغة والبيان وهو الإمام في اللغة، بينما أوردَ القول الثاني بصيغة المجهول فقال “وقيل” وهذا غالبا للتضعيف. وبهذا نقول لمن تنطَّع وأنكر ورود تسفيه إخوة يوسف لأبيهم: خيِّط بغير هالمسلِّه! وكان هذا المتنطِّع المتسرِّع قال لأهل العلم: “علمتَ شيئا وغابتْ عنك أشياءُ” وهو أولى أن يقال له ذلك.
Oct 15, 2017, 10:29 AM
إخوة يوسف – المقال [8]
# خطأ من أنكر أن يعقوب عرف أن يوسف يصير نبيًّا
– الحمدلله وصلى الله على رسول الله. وبعد فقد اعترض المخالف على الشيخ جميل حليم حفظه الله لقوله: <إن يعقوبَ؛ اللهُ أعلمه أن يوسف يكون نبيًّا>، وردَّ تحت عنوان: (أقوال المفسرين في نفي صحة ادعاء هذا الرجل) واستدل بالرواية التي فيها أن يعقوب سأل البشير على أي دين تركت يوسف؟ وقد بيَّنَّا في المقال [5] أن هذه الرواية ليس فيها حجة للمخالِف الذي يتبين لكل قارئ لكتب التفسير أنه أخطأ عندما أنكر كلام الشيخ جميل حليم؛ ولم نقصد حصر كل الأدلة وإلا لضاق المقام.
فيظهر جليًّا صدق الشيخ جميل حليم في أن يعقوب عرف أن يوسف يكون نبيا وأنه سينشر الإسلام لأن تبليغ الدعوة عمل الأنبياء أما وأن ذلك “في مصر” فيُفهم من سياق القرآن لأنه لما قال: {اذهبوا فتحسسوا من يوسف} أرسلهم إلى مصر، أما الاعتراض على عبارة “وما جاورها” فليس بشيء لأن البلد كل موضع عامر أو غير عامر، لا كما في ما يُعرف بأطلس العالم!
Oct 17, 2017, 11:18 AM
إخوة يوسف – المقال [9]
# بيان أن إخوة يوسف سفَّهوا أباهم النبي يعقوب عليه السلام
– الحمدلله وصلى الله على رسول الله. وبعدُ نأتي إلى مزيد تأكيد على وقوع إخوة يوسف في التفنيد وهو ما ينكره البعض عنادا وجهلا.
1. فمن ذلك ما نقله عن أئمة التفسير بقوله: (ومعنى {تُفَنِّدُونِ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: تسفهون) إلى قوله: (وهذه كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ في الْمَعْنَى) انتهى من البحر المحيط.
2. ثم أكَّد المصنِّف مراده بما لا يدع مجالا للشك فقال: (و”لولا” هنا حرف امتناع لوجود، وجوابها محذوف) انتهى ولم يقل حرف امتناع لامتناع كما يتوهم من لا يفهم دلالات اللغة العربية.
3. ثم أكَّد ذلك مرة أخرى فاستشهد بقول الزمخشري: (قال الزمخشري: المعنى لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني) انتهى. فحق أن أبا حيان أكَّد ثبوت التفنيد لا كما يدعي المخالِف الذي لا يزال مصرا على نفي التفنيد، فاعجب معي أخي القارئ.
4. ومن الأدلة أن المصنِّف قال بتقرير ثبوت تفنيد إخوة يوسف لأبيهم قوله في شرح {حتى تكون حرضا} ما نصه: (والحرض الذي قدرنا موته، قال مجاهد ما دون الموت وقال قتادة البالي الهرم وقال نحوه الضحاك والحسن وقال ابن إسحاق: الفاسد الذي لا عقل له. وكأنهم قالوا له ذلك على جهة تفنيد الرأي) انتهى
ولن أطلب منه أن يعيد قراءة نقل المصنف لتفسير ابن إسحق (الفاسد الذي لا عقل له)؛ ولا أن يعيد قراءة قول أبي حيان: (وكأنهم قالوا له ذلك على جهة تفنيد الرأي) وقد ورد: إذا لم تستح فاصنع ما تشاء.
Oct 19, 2017, 3:38 PM
إخوة يوسف – المقال [10]
# البيان في معنى قول أبي حيان
– الحمدلله وصلى الله على رسول الله. وبعد قال أبو حيان عند تفسير {لولا أن تفندون} بأوضح عبارة: <و”لولا هنا” حرفُ امتناعٍ لوجودٍ؛ وجوابُها محذوف> انتهى وأكَّد فقال: (قال الزمخشري: المعنى لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني) انتهى، أي لولا أنهم فنَّدوه لصدَّقوه؛ فلما وُجِدَ تفنيدهم امتنع تصديقهم. وهو لا يُنزِّهُ إخوة يوسف عن الوقوع في التفنيد بدليل قوله عند تفسير {حتى تكون حرضًا} ما نصه: (وكأنهم قالوا له ذلك على جهة تفنيد الرأي) انتهى.
– وخالف البعض وهمًا أو مكابرةً فقال “المعنى لولا خشية أن تفندوني لأخبرتكم أنه حي” وهو مردود من وجوه نذكر منها:
الأول: لو كان المعنى كما قال المخالف لامتنعَ أن يكون يعقوب أخبرهم؛ والله أخبرنا أن يعقوب قد فعلَ فقال تعالى: {ولمَّا فصَلتِ العيرُ قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف} وبدليل ما قال يعقوب بعد ذلك: {ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} قال المفسرون: “أي ألم أقل لكم يا بَنيَّ إني أعلم من الله أنه سيردّ عليّ يوسف ويجمع بيني وبينه لأن رؤيا يوسف صادقة وكان الله قد قضى أنْ أَخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا” اه.
الثاني: أنه في العربية لا يُحذف الشيء لغير دليل عليه [1]؛ وقد قام الدليل على أن يعقوب أخبرهم ولم يقم دليل على الخشية المزعومة.
الثالث: أن كلام العرب يدل أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط لأنه دليل عليه [2]؛ وما قبل الشرط دلَّ أنه أخبرهم لا العكس.
الرابع: أن المبتدأ في هذه الجملة “لولا أن تفندون” هو المصدر المؤوَّل من “أن تفندون” أي “تفنيدكم” فصحَّ ما قاله أبو حيان والزمخشري من أن المعنى “لولا تفنيدكم إيايَ لصدقتم”.
وقد تخبَّط المخالف فقاس ما حُذِفَ جوابه هنا مع ما لم يُحذف جوابه في (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم) وفي (لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها) وكان عليه أن لا يدخل في شيء ليس له به علم وأن لا يشتغل بالقياس وليس أهلا له وإلا فلو نظر إلى قوله تعالى {ولقد هم بها وهمت به لولا أن رأى برهان ربه} وإلى قول أبي حيان في تفسيره [1] [2] ما نصه: (ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط، لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشيء لغير دليل عليه) لكفاه.
Oct 20, 2017, 10:02 AM
إخوة يوسف – المقال [11]
# فائدة في أن عبارة (قيل) صيغة تمريض وتضعيف غالبا
– إن صيغة قِيل ونحوها مما بُني للمجهول هو من صِيَغِ التَّمريض والتضعيف -غالبا- لا سيّما إذا وُجِدَت قرينة مؤيدة مثل قرينة التصدير بالقول المخالِف؛ ومثل قرينة التصدير بقول مُسند.
قال النووي: (إذا كان الحديث ضعيفا لا يقال فيه قال رسول الله أو فَعل أو أَمر..) إلى قوله: (وإنما يقال في هذا كله رُوي عنه أو نُقل عنه أو حُكي عنه أو جاء عنه أو بلغنا عنه أو يُقال أو يُذكر أو يُحكى..) اهـ وقال ابن حجر في هدي الساري: وهاتان الصيغتان أي الجزم والتمريض قد نقل النووي اتفاق محققي المحدثين على اعتبارهما وأنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف، واشتد انكار البيهقي على من خالف ذلك) اهـ.
– كل هذا ولم يشترط قرينة التصدير بالقول المخالِف أو بقول مُسند؛ وكل ذلك في كلام أبي حيان: (قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: تسفِّهون وعن ابن عباس أيضا: تجهِّلون وعنه أيضا: تضعِّفون..) واسند كثيرا إلى أن ختم بقوله: (وقيل: تخطئون) اهـ.
فانظر كيف أخَّر أبو حيان قولا قيَّدَه بصيغة تمريض عن كل ما أسند. مع ملاحظة أنه قرنَ لفظ تخطِّئون بما سبقه مما لا يليق نسبته إلى الأنبياء فقال: (وهذه كلها متقاربة في المعنى وهي راجعة لاعتقاد فساد رأي المفند..) فحتى لو لم تكن ضعيفة فلا حجة لمن حرَّف، فمن أصرَّ على إنكاره طالبناه بالبيِّنة وقد قال الشاعر:
والدَّعاوي ما لم تقيموا عليها * بيِّناتٍ أبناؤها أدعياءُ
Oct 21, 2017, 12:39 PM

