, ,

قبسات من مواقف الآمدي صاحب أبكار الأفكار

موقف الأمدي في نسبة المعاصي الصغيرة الغير منفرة للأنبياء

قال الآمديُّ في [أبكار الأفكار]: <قوله تعالى مُخاطِبًا لمُحمَّد عليه صلَّى الله عليه وسلَّم: {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} صريح فِي أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم له ذنوب> انتهَى مُختصَرًا.

وعامَّة المُفسِّرين قالوا بوُقوع ذنب صغير لا خسَّة فيه لوُورده في القُرآن وهُو مُمكن كما قال الجُمهور؛ وتأويل النَّصِّ بغير ضرورة شرعيَّة عبث تُصان عنه النُّصوص ولهذا قال الآمديُّ في [أبكار الأفكار]: <ولا يخفى أنَّ ترك الظَّاهر مِن غير دليلٍ ممتنِعٌ> انتهى فأمَّا الَّذين تأوَّلوا النَّصَّ فلأنَّه عندهُم غير مُمكن شرعًا وُقوع الأنبياء ولو في صغير غير ذات خسَّة.

انتهى وقال في موضع آخر [منه]: <فإنَّه لا مُناسبة بين الغُفران والذَّنب بهذا المعنى كيف وأنَّه على خلاف الظَّاهر مِن اللَّفظ فيمتنع المصير إليه إلَّا بدليل> انتهى.

تأويل الجَهَلَة للفظ الذَّنب في كلام الماتُريديِّ في كُلِّ موضع: باطل مردود.

وقال الآمديُّ في [أبكار الأفكار]: <والأصل فى الإطلاق الحقيقة> انتهَى. أي ذنب على الحقيقة؛ وقالوا صغيرة وقالوا عمْدًا؛ كالتَّفتازانيِّ: <أمَّا الصَّغائر فيجوز عمْدًا عند الجمهور> اهـ وكالمرداويِّ: <وتجوز صغيرة عمْدًا عند القاضي وابن عقيل وابن الزَّاغوني والأشعريَّة..> اهـ والصَّغائر لا تخرج عن كونها ذنوبًا حقيقيَّة؛ واللَّفظ وقع في مقام البيان؛ فيبقى أنَّ تمسُّكَهم بإنكار لفظ (الحقيقيِّ) تشدُّقٌ لا معنى له؛ ولا مُستند لهم في تبديع القائل به.

– قال الغزاليُّ في [المُستصفى]: <مَسأَلَةٌ إذَا دَارَ اللَّفظُ بَينَ الحَقِيقَةِ وَالمَجَازِ فَاللَّفظُ لِلحَقِيقَةِ إلَى أَن يَدُلَّ الدَّلِيلُ أَنَّهُ أَرَادَ المَجَازَ> انتهَى.

وقال سيف الدِّين الآمديُّ الحنبليُّ ثُمَّ الشَّافعيُّ الأشعريُّ في [أبكار الأفكار]: <آدمُ عليه السَّلام عصَى وارتكب الذَّنب> انتهَى وقال: <قولُه تعالَى مُخاطِبًا لمُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وهُو صريح في أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم له ذنوب> انتهَى فلو كان مُجرَّد قول: (آدم عصَى) كُفرًا -كما افترَى أهل الفتنة- لصار الآمديُّ وما لا يُحصَى مِن العُلماء كُفَّارًا فبئس أهل الفتنة؛ واعلم أنَّ كلام الآمديِّ في تفسير {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} مُوافق لقول الجُمهور.

وقال سيف الدِّين الآمديُّ الحنبليُّ ثم الشَّافعيُّ الأشعريُّ في [أبكار الأفكار]: <آدم عليه السَّلام عصى وارتكب الذَّنب> انتهى وقال: <قوله تعالى مُخاطِبًا لمُحمَّد عليه صلَّى الله عليه وسلَّم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وهو صريح في أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم له ذنوب> انتهى.

والقاضي عياض ملأ كتابه [الشِّفا] بما فيه نسبة لفظ الذَّنب والمعصية إلى الأنبياء في غير تلاوة وحديث فقال: <وَتَصْرِيحُهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ> وعن يونس: <فَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِذَنْبِهِ> وقال في حقِّ الأنبياء: <وَذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْمَوْقِفِ ذُنُوبَهُمْ> وقال: <فَالْجَوَابُ عَنْهُ: كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِ الْأَنْبِيَاءِ> وقال: <وَهِيَ ذُنُوبٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَلِيِّ مَنْصِبِهِمْ، وَمَعَاصٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَالِ طَاعَتِهِمْ> فكيف ينجو عياض مِن تكفير أهل الفتنة.

وقال ابن نُجيم في [الأشباه والنَّظائر]: <ولو قال قائل إنَّ الأنبياء لم يعصوا حالَ النُّبوَّة ولا قبلَها كَفَرَ؛ لأنَّه ردَّ النُّصوص> انتهى وقال مثله في [البحر الرَّائق] ومراده تكفير مَن نفى اسم المعصية عنهم بالإطلاق لثُبوت اللَّفظ في القُرآن الكريم بقوله تعالى: {وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ}.

وقال أبو مُحمَّد البغويُّ الشَّافعيُّ في تفسيره المشهور [معالِم التَّنزيل] في تفسير قوله تعالى: {وعصى آدمُ ربَّه فغوى}: <يعني فعل ما لم يكن له فعله> انتهى.

والكثير مِن المُفسِّرين قالوا: <يجوز أنْ يُقال عصى آدمُ ولا يجوز أنْ يُقال آدمُ عاصٍ لأنَّه إنَّما يُقال عاصٍ لمَن اعتاد فعل المعصية كالرَّجل يَخيط ثوبه يُقال خاط ثوبه ولا يُقال هو خيَّاط حتَّى يُعاود ذلك ويعتاده> انتهى.

موقف الآمدي في خروج معاوية عن سيّدنا علي

وقال الزَّركشيُّ في [شرح جمع الجوامع]: <هذا مع القطع بتخطئة مُقاتلي عليٍّ وكُلِّ مَن خرج على مَن اتُّفِقَ على إمامته، لكنَّ التَّخطئة لا تبلغ إلى حدِّ التَّفسيق عند القاضي أبي بكر؛ وقالتِ الشِّيعة بالتَّفسيق؛ ونسبه الآمِدِيُّ لأكثر أصحابنا> انتهى وقوله: <أصحابنا> أي الأشاعرة.

فما نقله الآمِدِيُّ عن أكثر الأشاعرة يدُلُّ أنَّ الأشعريَّ يرى خُروج مُعاوية على الخليفة كبيرةً؛ ويُكذِّب ما توهَّمه مُتمشعرة هذا الزَّمان، وعلى فرض أنَّ الأشعريَّ أراد أنَّ مُعاوية لم يقع في كبيرة؛ فهل يعني أنَّه لم يعصِ مُطلقًا!؟ ولو أراد أنَّه لم يقع في كبيرة فهل يعني أنَّه كان يراه مأجورًا!؟

وفي [المُجرَّد]: <النَّاس قبل حدوث واصل بن عطاء كانوا على مقالتَين في مُرتكب الكبيرة> انتهى. فيحتمل أنَّ الأشعريَّ ترك إطلاق اسم الفسق كي لا يُحمل على التَّكفير؛ لأنَّ الفسق منه ما يكون كُفرًا ولذلك قال العُلماء في الكافر فاسق؛ وهو وجه لُغويٌّ معروف وبه نطق كتاب الله.

وأكثر الأشاعرة ملتحقون بالأشعري في تأثيم البغاة بل نسب الآمدي إلى أكثر الأشاعرة أنهم يُفسِّقون كلَّ من قاتل الإمام عليا رضي الله عنه

والخُلاصة أنَّ الأشعريَّ ترك إطلاق لفظ الكُفر على البُغاة لأنَّ البغي ليس كُفرًا، وترك إطلاق لفظ الفسق عليهم كي لا يُحمل على التَّكفير؛ أو على معنى أنَّهم لم يفسُقوا فسقًا يُخرجهم عن العدالة في الرِّواية لكونهم مِن الصَّحابة فلا يكذبون عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

وميَّز العُلماء بَين الصَّغيرة وترك الأَوْلى؛ لأنَّ الصَّغيرة معصية حقيقيَّة وهُم مُختلفون في جوازها على الأنبياء ومُجمعون أنَّها لا تتكرَّر ولا تكثُر منهُم، قال عياض فِي [الشِّفا]: <وَلَا يَجِبُ عَلَى القَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالكَبَائِرِ> انتهى.

5

فلو لم تكن الصَّغائر الَّتي اختلف العُلماء في جوازها على الأنبياء حقيقيَّةً لَمَا كانت لتلتحق بالكبائر لو تكرَّرت وكَثُرَت؛ لأنَّ ترك الأَولى مهمَا تكرَّر ومهمَا كثُر لا يلتحق بالكبائر ولا يُعَدُّ مِن الصَّغائر الَّتي تُكتَب في صحائف المُؤمنين ولو لم يتوبوا منه، وهذا لا خلاف فيه بين عُلماء أهل السُّنَّة.

6

واصطلح بعض الحنفيَّة أنَّ (المعصية حقيقة ما يُقصد إلى نفسه مع العلم بحُرمته) لأنَّهُم لا يُجوِّزون الصَّغيرة على الأنبياء عمدًا؛ بخلاف الجُمهور؛ قال التَّفتازانيُّ المُتوفَّى 792 للهجرة فِي [شرح العقائد النَّسفيَّة]: <أَمَّا الصَّغَائِرُ فَيَجُوزُ عَمْدًا عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَأَتْبَاعِهِ> انتهى.

7

وكذَّب أهل الفتنة فزعموا أنَّ كلام التَّفتازانيِّ لا يشمُل أهلَ السُّنَّة لأنَّه استثنى الجُبَّائيَّ وهُو مُعتزليٌّ؛ وهذه منهُم شُبهة مُتهالكة لأنَّ الاستثناء مِن غير الجنس سائغ شائع في كلام العرب؛ قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}.

8

وممَّا يدُلُّ على صحَّة شرحنا لكلام التَّفتازانيِّ قول ابن نُجَيم الحنفيِّ المُتوفَّى 970 للهجرة في [فتح الغفَّار بشرح المنار] : <وجاز تعمُّد غيرها بلا إصرار عند أكثر الشَّافعيَّة والمُعتزلة ومنعه الحنفيَّة> إلى آخره.. وقوله <غيرها> أي غير الكبائر والصَّغائر الخسِّيَّة؛ أي الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها.

9

ويزيد شرحنا لكلام التَّفتازانيِّ تأكيدًا قول ابنِ هُمام الدِّين الاسكندريِّ الحنفيِّ المُتوفَّى 861 للهجرة في [التَّحرير في أُصُول الفقه الجامع بين اصطلاحَي الحنفيَّة والشَّافعيَّة] بعد ذكر الكبائر والخسائس: <وجاز تعمُّد غيرها بلا إصرار عند الشَّافعيَّة والمُعتزلة ومنعه الحنفيَّة؛ وجوَّزوا الزَّلَّة> إلى آخره..

10

فأهل الفتنة جاؤوا إلى مُصطلَح خاصٍّ ببعض الحنفيَّة فجعلوه عامًّا مُطلَقًا عند كُلِّ أحد وحملوا عليه أقوال النَّاس أجمعين وهذه منهُم شدَّةُ جهلٍ بالدِّين وباللُّغة نعوذ بالله العظيم أنْ نقع بمثلها وهُم ما تكبَّروا عن قَبول النُّصح إلَّا لأنَّهُم سُعاة إلى غرض خبيث يُريدون التَّوصُّل إليه والعياذ بالله.

11

وفي الحقيقة قول التَّفتازانيِّ في [التَّلويح]: <وأمَّا المعصية حقيقةً فهي فعل حرام يُقصد إلى نفسه مع العلم بحُرمته> ليس مذهبَه بل ذِكْرُ تعريف (المعصية عند الإطلاق) عند السَّرخسيِّ ولذلك بدأ بقول: <قال الإمام السَّرخسيُّ رحمه الله تعالى أمَّا الزَّلَّة فلا يُوجد فيها القصد> إلى آخره..

12

ولا يُوجد في كلام السَّرخسيِّ لفظ (معصية حقيقةً) بل يُوجد (المعصية عند الإطلاق) -والمعنى واحد كما بيَّنَّا قبلُ في كثير مِن المقالات- وإنَّما أضاف التَّفتازانيُّ لفظ (حقيقة) لبيان الفَرق بين المعصية الصَّغيرة ولو سَهوًا وبين الزَّلَّة الَّتي قال السَّرخسيُّ إنَّ الشَّرع أطلق عليها اسم المعصية مجازًا.

13

قال التَّفتازانيُّ في [التَّلويح] شارحًا كلام المحبوبي: <قوله: (وهُو فعل مِن الصَّغائر) ردٌّ لِمَا ذكره بعض المشايخ مِن أنَّ زلَّة الأنبياء هي الزَّلل مِن الأفضل إلى الفاضل ومِن الأصوب إلى الصَّواب لا عن الحقِّ إلى الباطل وعن الطَّاعة إلى المعصية لكن يُعاتبون لجلالة قدرهم> إلى آخره..

14

فإذَا فهمتَ فاعلم أنَّ أهل الفتنة لمَّا لم يفهموا أخذوا يطعنون بكُلِّ قول يُخالف ما توهَّموا أنَّ التَّفتازانيَّ قرَّره؛ وهُو بريء منهُم وممَّا يفترون؛ فالمحبوبي يُجوِّز وُقوع الصَّغائر بخلاف السَّرخسيِّ الَّذي يعتقد أنَّ الشَّرع أطلق على الزَّلَّة لفظ المعصية مِن باب المجاز فلا تكون معصية حقيقة.

15

فالخُلاصة أنَّ ما نقله التَّفتازانيُّ عن السَّرخسيِّ هُو في بيان الفَرق بين الزَّلَّة وبين (المعصية عند الإطلاق) عند بعض الحنفيَّة وليس في كلامهم تضليل مَن خالفهم مِن أهل السُّنَّة كما توهَّم أهل الفتنة الَّذين ضلَّلُوا أهل السُّنَّة زيغًا وجهلًا وشنَّعوا عليهم قولًا وفعلًا فعليهم مِن الله ما يستحقُّون.

التنقل بين المقالات

المقال السابق:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading