, , ,

بيان كفر مَن استنطق الكافر بالكُفر

الدِّين النَّصيحة 10 : بيان كفر مَن استنطق الكافر بالكُفر وذكر نقول بعض أهل السُّنَّة والجماعة في هذا الباب

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعدُ فلا خِلاف بين المُسلمين أنَّ الرِّضى بالكُفر كُفرٌ، فلو سأل رجلٌ كافرًا عن دينه وهو مُتيقِّن مِن أنَّ الكافر يجيبه بالكُفر: كَفَرَ السَّائلُ، وسبب ذلك أنَّ السَّائل استنطق المسؤولَ بالكُفر فيكون رضِيَ بكُفره.

أمَّا لو كان السُّؤال مِن باب الإنكار أو التَّهكُّم أو التَّبكيت أو التَّوبيخ أو التَّقريع أو التَّعنيف أو نحو ذلك ممَّا لا يُراد منه جواب: فلا يكون كُفرًا؛ لأنَّه لم يشتمل على استنطاق بالكُفر فلا يكون رضًى بالكُفر.

ذكر نقول بعض أهل السُّنَّة والجماعة في هذا الباب

قال المُلَّا عليِّ القاري في شرح [رسالة في المُكفِّرات للحنفيِّ بدر الرَّشيد المُتوفَّى 768ه]: <وفي المُحيط وفتاوى الصُّغرى أيضًا: مَن لقَّن غيره كلمة الكُفر ليتكلَّم بها كفر المُلقِّن، وإنْ كان على وجه اللَّعب والضَّحك> انتهى.

وقال: <قلتُ: فما يُحكى أنَّ مالكيًّا أو شافعيًّا رجع إلى بلده بعد تحصيل بعض الفقه في مذهبه، فكُلَّما سُئل عن مسألة فقال: فيها وجهانِ لمالك؛ أو قولانِ للشَّافعيِّ رحمه الله، فقال له قائل: أفي الله شكٌّ؟ فقال: فيه الوجهانِ أو القولانِ فكفَّروه، فيُحكم بكُفر مُلقِّنه أيضًا حيث رضيَ بكُفره، بناء على غلبة ظنِّه أنَّه يتفوَّه بقول ما يُوجب كُفره> انتهى.

ولاحظ قوله: <فيُحكم بكُفر مُلقِّنه أيضًا حيث رضيَ بكُفره، بناء على غلبة ظنِّه أنَّه يتفوَّه بقول ما يُوجب كُفره> لتعلم أنَّ مَن سأل كافرًا عن دينه -وغالب ظنِّه أنَّ المسؤول يُجيب بالكُفر- يكفُر -أي السَّائل كذلك-.

وقال الحافظ مُحمَّد مُرتضى الزَّبيديُّ في شرح الإحياء: <ومَن أراد مِن خلق الله أنْ يكفروا بالله فهو لا محالة كافر> انتهى. ومَن سأل كافرًا عن دينه وهو مُتيقِّن أنَّه يُجيب بالكُفر فقد أراد مِن خلق الله أنْ يكفُروا فيكفُر والعياذ بالله.

وقال: <وعلى هذا يُخرَّج قوله تعالى: {ولا تسبُّوا الَّذين يدعون مِن دون الله فيسبُّوا اللهَ عدوًا بغير علم} ثم إنَّه مَن سبَّ أحدًا منهم على معنى ما يجد له مِن العداوة والبغضاء قيل له: أخطأت وأثمت؛ من غير تكفير، وإنْ كان إنَّما فعل ذلك ليسمع سبَّ الله وسبَّ رسوله فهو كافر بالإجماع> انتهى.

وجاء في البريقة المحموديَّة في شرح الطَّريقة المُحمَّديَّة نقلًا عن التَّاترخانيَّة أنَّ أبا حنيفة رأى ابنه حمَّادًا يناظر في الكلام فنهاه، فقالوا رأيناك تناظر فيه؛ وتنهانا عنه، فقال: كنَّا نناظر؛ وكأنَّ على رؤوسنا الطَّير مَخافة أنْ يزلَّ صاحبنا، وأنتم تناظرون وتريدون زلَّة صاحبكم، ومَن أراد أنْ يزلَّ صاحبه فقد أراد أنْ يكفرَ صاحبه، ومَن أراد أنْ يكفر صاحبه فقد كفرَ قبل أنْ يكفر صاحبه. انتهى.

وهذا لا ينبغي أنْ يُوهم أنَّ حمَّادًا وقع في الكُفر كما يُفكِّر المُوسوسون؛ بل قول أبي حنيفة “وأنتم تناظرون وتريدون زلَّة صاحبكم” معناه يُخشى عليكم مِن الوُقوع في هذا وهُو كُفر إنْ فعلتُم؛ فتنبَّهوا.

وقال الأُصوليُّ الشَّيخ سمير بن سامي القاضي في [جلاء الفوائد من ثنايا القواعد]: <ويلتحقُ بالأمرِ ما يحصُلُ أحيانًا مِنْ أنَّ الشَّخصَ يسألُ الكافرَ سُؤالًا وهو مُتيقِّنٌ مِنْ أنَّهُ سيُجيبُ بالكُفرِ فيكفرُ بذلكَ لأنَّ سُؤالَه في الحقيقةِ هو طلبُ جوابٍ منهُ وهو يعلمُ أنَّ جوابَهُ كُفرٌ فكأنَّهُ يقولُ لهُ اكفُرْ. وأمَّا السَّؤالُ الإنكاريُّ ونحوُه ممَّا لا يُطلَبُ بهِ جوابٌ كفرٌ مِن المَسئولِ فلا يدخُلُ تحتَ الحكمِ المُتقدِّمِ> انتهى.

وفي هذا القدر كفاية لمُسترشد والحمدلله الَّذي هدانا إلى هذا؛ فخسئ المُتصولح الكذَّاب وفاز لو أناب والله الهادي إلى الأسباب.

نهاية المقال.

‏١٤‏/٠١‏/٢٠٢٠ ١٠: ٥١ ص

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading